السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

456

مفاتيح الأصول

ومن المقطوع به أن جميع هذه الأمور ليست من خواصه بل هي مشتركة بينه وبين غيره فلا يتجه الجواب باختصاص الخطاب به صلى الله عليه وآله إلا أن يقال أن الاشتراك المذكور ليس من مقتضى الخطاب بل من دليل خارجي ففي أيّ مقام يكون ذلك موجودا يجب الحكم بالاشتراك وإن شك فيه وجب الاقتصار على مدلول الخطاب فلا يصح الحكم بالاشتراك مطلقا فيتجه الجواب فتأمل ومنها أن الظاهر من مجمع البيان والصّافي أن بناء جماعة كثيرة من المفسرين ليس على ظاهر الآية الشريفة وعمومها ففي الأول ولا تقف إلى آخره معناه لا تقل سمعت ولم تسمع ولا رأيت ولم تر ولا علمت ولم تعلم عن ابن عبّاس وقتادة قيل معناه ولا تقل في قفا غيرك شيئا إذا مر بك فلا تعبه عن الحسن وقيل هو شهادة الزور عن محمّد بن الحنفية والأصل أنه عام في كل قول وفعل وعزم يكون على غير علم فكأنه سبحانه قال لا تقل إلا ما تعلم أنه مما يجوز أن يقال ولا تفعل إلا ما تعلم أنه يجوز أن يفعل ولا تعتقد إلا ما تعلم أنه يجوز أن يعتقد وفي الثاني لا تقف ولا تتبع والقمي أي لا تقل ما ليس لك به علم القمي لا ترم أحدا بما ليس لك به علم وفي العلل عن السجاد عليه السلام ليس لك أن تتكلَّم بما شئت لأن اللَّه تعالى يقول ولا تقف إلى آخره انتهى فتأمل ومنها ما ذكره سلطان المحققين فقال يمكن أن يقال هذا دفع للإيجاب الكلي لا السّلب الكلي فتأمل انتهى ودفعه جمال الخوانساري فقال بعد الإشارة إليه ولا يخفى ما فيه إذ لا يتوهم في شأن أحد اتباع كل ما ليس به علم حتى ينهى عنه ومنها ما ذكره جمال الدّين الخوانساري فقال يحمل العلم في الآية على ما يشمل الظن المستفاد من سند فإن استعماله بهذا المعنى شائع كما ذكره البيضاوي في تفسيره ويحمل الظن في الآيات الأخر على الشك والوهم أو الراجح بدون سند بل بمجرّد التشهي وميل الهوى انتهى وفيه نظر وخامسها قوله تعالى هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فإن العالم يجوز له العمل بعلمه فلو كان الظان يجوز له العمل بظنه لكان العالم وغير العالم بينهما مساواة وقد نفتها الآية الشريفة بعمومها ويؤيد هذه الآية الشريفة وسائر الآيات المتقدمة قوله تعالى في سورة البقرة ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وقوله تعالى في سورة والنجم إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس وقوله تعالى في سورة الجاثية ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الَّذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من اللَّه شيئا وفي جميع ما ذكر نظر ومنها جملة من الأخبار أحدها خبر المفضل بن عمر قال سمعت أبا عبد اللَّه عليه السّلام يقول من شك أو ظن فأقام على أحدهما فقد حبط عمله إن حجة اللَّه هي الحجة الواضحة وثانيها خبر سليم بن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث طويل قال ومن عمي نسي الذكر واتبع الظن وبارز خالقه إلى أن قال ومن نجا من ذلك فمن فضل اليقين وثالثها ما رواه في الوسائل عن الحسن بن عليّ بن شعبة في تحف العقول عن النبي صلى الله عليه وآله قال إذا نظرت فاقض وإذا ظننت فلا تقض ورابعها ما رواه في الوسائل عن البرقي عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمّد عليه السلام عن آبائه عليه السلام قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إياكم والظن فإن الظن أكذب الكذب ويعضد هذه الأخبار الأخبار الكثيرة المصرحة بعدم جواز الفتوى بغير علم وبعدم جواز الفتوى بالرأي وبعدم جواز القول بغير علم وبعدم جواز العمل من غير علم كخبر أبي عبيدة وخبر مفضل بن يزيد وخبر عبيدة السّلماني وخبر عبد الرّحمن بن الحجاج وخبر موسى بن بكير وخبر إسماعيل بن أبي زياد وخبر تحف العقول وخبر هشام بن سالم وخبر عليّ بن حسان وخبر ابن فضال وخبر مسعد بن صدقة وقد حكيت جميعها في كتاب ملاذ الأخيار وأخصيتها من المدعى غير قادحة لظهور عدم القائل بالفصل بين جميع صور المسألة وهي وإن لم تصرح بالمنع من خصوص الظن ولكنها بعمومها شاملة له فإن غير العلم يعم لغة وعرفا الظن والشك والعموم كاف هنا وقد يمنع من نهوض هذه الأخبار لإفادة المدّعى أما أولا فلأنها ليست بمتواترة ولا محفوفة بالقرائن القطعية فهي ليست أخبارا مقطوعا بها بل هي من أخبار الآحاد التي غايتها الظن بالصدق ولا نسلَّم حجيتها إلا على تقدير أصالة حجية الظن فلا يجوز منعها بها إذ ما يلزم من حجيته عدم حجيته لا يكون حجة نعم إن ادعي أن هذه قطعية الصّدور كما توهمه جماعة أو أن الظن الحاصل من أخبار الآحاد من الظنون المخصوصة التي قام الدليل القاطع على حجيتها بالخصوص كظاهر الكتاب لم يرد ما ذكر لكن الأمرين باطلان فتأمل وأما ثانيا فلأن هذه الأخبار لا تصلح لمعارضة الدليل القاطع الدال على أصالة حجيّة الظن في نفس الأحكام الشرعية الفرعية فيجب تخصيص إطلاقاتها بغير محل البحث ومنها انعقاد الإجماع على أن الأصل في الظن عدم الحجيّة وأن الواجب في كلّ ظن يشك في حجيته كالظن المستفاد من خبر الواحد ومن الشهرة ومن الاستقراء الحكم بعدم حجيته وقد أشير إلى هذا في جملة من الكتب ففي بعض مؤلفات السّيد الأستاذ أعلى اللَّه تعالى مقامه اعتبار الشهرة مبني على اعتبار حجيّة الظن مطلقا وليس ذلك من مذهبنا وأن أوهمته بعض العبارات والحجة عندنا ليس إلا اليقين أو الظن المعتبر شرعا وهو المنتهي إلى اليقين كظواهر الكتاب وفي بعض مؤلفات جدي رحمه الله في جملة كلام له وأيضا إجماع المسلمين على أن الظن في نفسه ليس بحجة ولذا كل من يقول بحجية ظن يقول بدليل فإن تم وإلا فينكرونه ويقال بعدم الحجية وقال أيضا في مقام آخر مع أن الأصل عدم حجية الظن وهو اتفاق جميع أرباب المعقول والمنقول إذ كل من قال بحجية ظن في موضع قال بدليل أتى به كما لا يخفى على المطلع